كم مرة ستعيش؟!


كم حياة وهبها الله لك لكي تسمح لأحد أن يختار لك طريقك فيها؟! وإذا كان هذا الطريق خاطئًا، من سيتحمل تبعت هذا الخطأ سواك أنت … وأنت وحدك!

هي حياة واحدة لديك لتعيش، عشها على طريقتك!

  سأحكي لكم حكاية …. عن صديقتي الأقرب، كأنها أنا، وُلدت لأسرة متوسطة الحال من قرى صعيد مصر قبل أن تتنقل مع أسرتها للحياة في المدينة وإن ظلت أفكار القرية مصاحبة لأبيها!
ظل في نظره أن البنات “شر”، وتعليمهن نوع من أنواع الرفاهية الزائدة، ولماذا تتعلم، وهي خُلقت أصلًا لتتزوج في النهاية من إبن عمها أو من يراهُ أبوها مناسبًا! وإن كان لابد من تعليمها فـ “الدبلوم” يكفي!
لا يصح للبنت أن تخرج إلا في أضيق الحدود وللضرورة، والسفر! فكرة مرفوضة من الأساس.
أما الولد، فله حرية مطلقة ليفعل ما شاء، وتعليمه مُجدي بعكس تعليم البنات، وذهابه للجامعة ضرورة.

ونتيجة لهذه الموازين المُختلة، تنامى لدى صديقتي هذه شعورٌ بالقهر والسخط، لدرجة أنها كرهت كل الذكور! لماذا يتعلم هو وأنا لا؟! لماذا يخرج للعالم بينما أظل أنا حبيسة أفكارٍ ما أنزل الله بها من سلطان؟!

ورغم ذكاءها المتقد وعقلها المستنير وحصولها في المرحلة الإعدادية على المجموع الكافي لأن تلتحق بالثانوية العامة، أجبرت على أن تلتحق بأحد الدبلومات المتخصصة ، على وعد لم يتحقق أبدًا بأن يسمح لها بالإلتحاق بالجامعة إذا حصلت على المجموع اللازم.

أنهت الدراسة ليحين وقت زواجها حسب الطريق المرسوم لها! ولكن كان لديها هي تصورها الخاص عن حياتها، كانت تريد أن تتعلم أكثر وتعمل وتخرج إلى العالم وتخطئ وتتعلم.
وبالتأكيد قوبل تصورها وحلمها بـ “لا” القاطعة إذا استمع إليها أبوها أصلًا!

ولكي تعمل وتخرج ألى العالم، اضطرت إلى اللجوء للحيلة، ونجحت في أن تعمل مع والد صديقة لها في أول مكتب لخدمات الكمبيوتر في جنوب الصعيد، وتعلمت استخدام برنامج الـ Word في كتابة الأبحاث والإعلانات وبدأت تشعر بذاتها ككيان مُنتج وذي قيمة في المجتمع.
وحصلت على عدد من عروض العمل كموظفة علاقات عامة في بنك مثلا أو في الصندوق الإجتماعي ولكن ظل عدم إتمامها لتعليمها العالي عائقًا أمامها للعمل في وظائف مرموقة كهذه.
لذلك قررت أن تكمل تعليمها وتلتحق بالثانوية العامة ثم الجامعة، وبالفعل بدأت في التنفيذ، قدمت أوراقها … وكان رد فعل أبيها أن قال لها :”اللي عايز يكمل تعليمه …. يصرف على نفسه” ولم يكن ذلك سوى شرطًا تعجيزيًا ليثنيها عن الخطوة التي اتخذتها ولكنها لم تتراجع!
كانت تستيقظ في الصباح الباكر لتذهب إلى عملها من الساعة التاسعة صباحًا وحتى الخامسة مساءًا وبعدها تبدأ في المذاكرة، وتوقع الجميع فشلها المؤكد فهي لا تملك مالًا كافيًا للدروس الخصوصية في جميع المواد، ولكنها أثبتت للجميع خطأهم ونجحت في السنوات الثلاث، والتحقت بإحدى الكليات.

وكانت تعمل بالتوازي مع دراستها، وفي يوم طلبت من أستاذتها في الجامعة أن تساعدها في التوفيق بين دراستها وعملها متوقعةً منها المساندة، فما لاقت منها سوى السخرية وقول “وأنا مالي؟!” … ومنذ تلك اللحظة عاهدت نفسها على ألا تطلب يد العون من أحد، ولا تنتظر سوى مساعدة خالقها.

وخلال سنوات الدراسة في الجامعة، كانت أحلامها غير عادية، غير محدودة … بأن بمجرد تخرجها ستنفتح أمامها كل الأبواب، وستقبل عليها كل الفرص ولكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، ومرضت مرضًا شديدًا واضطرت لترك العمل والمكوث بالمنزل وبدأت جذوة الأمل تنطفيء شيئًا فشيئًا ويختفي الحلم مع الوقت، لدرجة أنها شعرت لبعض الوقت بالندم على الخطوة التي اتخذتها وتمنت لو كانت رضخت لرغبة أبيها منذ البداية.
ولكن سرعان ما استعادت أملها، وطردت اليأس من حياتها، وأقنعت نفسها بالمحاربة في سبيل تحقيق حلمها خصوصًا وأنها بعد وفاة والدها أصبحت المسئولة عن الأسرة الكبيرة التي لا تستطيع أن تتحمل أي مسئولية نتيجة لأنهم لم يحصلوا على القدر الكافي من التعليم والخبرة.
كتبت سيرتها الذاتية، وبدأت رحلة البحث عن عمل، إلى أن عرض عليها العمل في الصندوق الإجتماعي للقروض الصغيرة بإحدى الجمعيات الخيرية ورغم ضآلة المرتب والذي كان 200 جنيه فقط إلا أنها قبلت بالعمل لأن ما باليد حيلة، وساعدت بخبرتها في استخدام الكمبيوتر في تنظيم أعمال الجمعية.

وفي خضم هذه المعاناه، ظهرت شمعة أمل في الظلام، فرصة للالتحاق بدورة تدريبية لإعداد المدربين في مجال استخدام الكمبيوتر…. التحقت بالمنحة والتي كانت مدتها شهر ونصف، ولم تفوت يومًا واحدا طوال مدة التدريب، كانت تحضر التدريب صباحًا وتذهب لعملها في الجمعية في الفترة المسائية. وكانت نتائجها في هذه الدورة مبهرة، فقد كانت من الأوائل ونتيجة لذلك تم اختيارها لتصبح مدربة! والفضل في ذلك للمهندس محمد فؤاد والأستاذة غادة خليفة من شركة مايكروسوفت!

كانت هذه المنحة المقدمة من شركة مايكروسوفت طوق النجاة لها، وتغير بسببها مسارها الوظيفي وحياتها بشكل كبير. قامت بعد ذلك بتدريب عدد كبير من الأفراد من خلال الجمعية الخيرية التي تعمل بها والتي كانت تقوم بكل أعمالها سواءًا كان عملا اداريا أو تدريبيا ولا مانع من القيام بأعمال النظافة أيضًا.

وبعد تقديم عدد من الدورات التدريبية، استطاعت لأول مررة أن تحصل على أول 500 جنيه في حياتها، استغلت هذا المبلغ في الحصول على شهادة ICDL وعملت لبعض الوقت في مجال تصميم مواقع الانترنت، ثم حصلت على دبلومة في الإرشاد السياحي وشهادة Mos2007 expert وتعرفت في الطريق على علم التنمية البشرية، وشهادة تلو الأخرى وسعي دائم في سبيل التعلم وفقها الله للعمل في شركة TE Data .
ولم تتوقف عند هذا الحد، وظلت في سعيها للأفضل، فالتحقت بدبلومة لتكمل بعدها دراسة الماجستير والذي تدرسه الآن … تمنوا لها التوفيق. وفي الوقت الحالي تخطط للحصول على ماجستير في إدارة الأعمال ودبلومة في التنمية البشرية ولكنها تنتظر حتى تحصل على المبلغ الكافي.

هذه هي قصة هذه الفتاة، التي أبت أن يرسم لها أحد طريقها، ورسمت طريقها بما يناسبها ويحقق أحلامها، وحتى تساعد الآخرين على تحقيق أحلامهم، تقدم دورات تدريبية مجانية لغير القادرين من باب إحساسها بالمسئولية تجاه المجتمع، وتركز مجهوداتها التطوعية للقرى المصرية المحرومة من الخدمات التدريبية والتعليمية وخصوصًا للسيدات والفتيات المقيدين بتقاليد وأفكار لا تقدم بل تؤخر سنوات للوراء.

كما تعطي الأطفال اهتمامًا بالغًا باعتبارهم المستقبل.

وهى تكن كل الاحترام لابيها والامتنان والتقدير والوفاء ذلك الوجه الاسمر الذى غرس فيها حب الخير والتضحية من أجل الآخرين واحترام المواعيد، وتتمنى الآن لو كان لا يزال على قيد الحياة، ليرى بنفسه نتيجة غرسه، ويرى أن المرأة لا تقل في قدراتها عن الرجل وإنما هي مجرد اعتقادات لا اساس لها من الصحة، وأنها إذا تعلمت لا تصبح عبئًا وإنما تساهم في رفع العبء ومساعدة أسرتها.

حتى أستاذتها في الجامعة والتي رفضت مساعدتها من قبل، ممتنة لها، لأنها جعلتها تتعلم بالتجربة أن الظروف لا يمكنها أن تمنع أحد من المضي قدمًا في طريقه أبا كانت صعوبة هذه الظروف.

وخلال الرحلة قابلت من أحبطوها ومن بثوا فيها الأمل، من دفعوها للبكاء ومن أسعدوها …..
هذه الرحلة رحلتي، وهذه القصة قصتي، وتلك البنت … أنا!

وأدعوكم لتضعوا يدكم في يدي وفي يد كل من لديه نية صادقة ليصبح المجتمع أفضل، هناك ملايين لا يعرفون شيئًا عن تكنولوجيا المعلومات، هناك الكثير لا يعرفون كيف يكتبوا أسماءهم أو يقرأوا رقم الطوارىء من مفكرة التليفونات!
إن كانت لديكم المعرفة، وقع على عاتقكم واجب نشرها، ساعدونا لنجعل مصر كلها على الانترنت.

القرى …. القرى …. القرى …. القرى المصرية تعاني بسبب الجهل والإهمال ونقص الثقافة، القرى المصرية تحتاج لمجهوداتنا جميعًا.

Comments (0)

Skip to main content