صناعة التغيير


تُشير أحدث التقارير* إلى أن الدُول التي يمتلك أبناؤها ثقافة العمل التطوعي لديها القدرة على النهوض وتخطي الأزمات أكثر من تلك التي ليس لدى أبنائها هذه الثقافة. وبالنظر إلى مصر، نجد ثقافة التطوع   متأصلة فيها نظرًا لتدين شعبها، على الرغم من أن هذه الثقافة لم يتم إلى الآن استثمارها بالشكل الأمثل لمساعدة مصر على تخطي التحديات التي تواجهها في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها.

ويعتبر هذا الحس التطوعي لدى الشعب المصري حجر الزاوية في العديد من المُبادرات التي أطلقت بهدف القضاء على الفقر ومحو الأمية وكذلك حملات تنظيف الشوارع التي شهدها العالم بأسره عقب الثورة المصرية ، ولأن الشعب المصري عاطفي وعطوف بطبيعته، فإن الآلاف منه يشاركون بحماس في أي عمل من شأنهِ مساعدة المرضى أو الفقراء عن طريق تقديم المساعدات المادية أو العينية في صورة طعام أو دواء، ولكن هذهِ الأعمال كلها ليست سوى مسكنات مؤقتة لأعراض المشكلة في حين تظل المشكلات الأصلية تتفاقم مع الوقت في إنتظار حلول مستديمة وجذرية.

ولا تختلف برامج الموظفين المتطوعين الخاصة بمعظم الشركات في مصر عن الأمثلة السابقة، فمعظمها تقوم بأعمال إعتيادية كتوزيع الطعام على الفقراء أو تنظيم زيارات للأيتام أو طلاء مدرسة، كلها أعمال في ظاهرها جيدة وتمنح لفاعلها شعورًا بالرضا، ولكن يبقى السؤال: ما التأثير الذي قد يصنعه عمل كهذا على المدى الطويل؟ هل هذا فعلًا هو التوظيف الأمثل للقدرات المهولة للشركات المتمثلة في ممتلكاتها وموظفيها؟ مع الأخذ بعين الإعتبار أن الشركات في مصر تمتلك الجزء الأكبر والأكثر تميزًا وخبرةً من القوى العاملة المصرية، وكذلك ثروة ضخمة من الخبرة والدراية الكاملة كلٌ في مجال عمله، مما يجعل من واجبها تفعيل كل هذه الثروات لخدمة المجتمعات الفقيرة، وكذلك نقل تلك الخبرات للأجيال القادمة …. كما يجعل من واجبها تسخير كل ما أوتت من إمكانيات لتقديم حلول طويلة المدى للمشاكل بدلًا من معالجة أعراضها, وذلك عن طريق تقديم الخدمات التعليمية وتطوير المهارات وغيرها من الأنشطة التي من شأنها تعزيز الإقتصاد على المدي الممتد.

ونحنُ في مايكروسوفت، عندما نكون بصدد وضع خطة برنامج تطوعي فإننا نسأل أنفسنا، هل يستغل هذا البرنامج القدرات الأساسية لموظفينا؟!
افترض أن لديك مُهندسًا متميزًا وتريد أن تخصص لهُ عملًا بحيثُ تحقق الفائدة القصوى من قدراته، هل من الأنسب أن تجعله يقوم بتدريس مادة في مدرسة ثانوية بعيدة كل البعد عن مجال تخصصه ؟! أم من الأفضل أن تستغل قدراته للمساعدة في سد الفجوة المُتسعة بين التعليم وسوق العمل؟!
هل من المناسب أن تحصر شركة متخصصة في مجال التكنولوجيا أعمال برنامج تطوع الموظفين لديها في دهان الحوائط؟! أم أنه من الأفضل أن تستغل خبرات موظفيها وكفاءاتهم في الأعمال التي يجيدونها؟! كأن تُشجعهم مثلًا على تطوير حلول معتمدة على التكنولوجيا لمساعدة المجتمع في مواجهة التحديات وتحقيق رفاهيته.

في مايكروسوفت نتبنى رؤية “بيل جايتس” للرأسمالية المُبتكرة والتي تدعو الشركات الكبيرة إلى تسخير خبراتها وإمكاناتها في المجالات التي تختص بها في سبيل مواجهة التحديات الإقليمية والمحلية وتقديم حلول للمشكلات التي تواجه المجتمعات بدلًا من توجيه الجهود في مجالات لا تمت بصلة لتخصصها.
هذه الرؤية تحديدًا هي ما يجب على الشركات في مصر أن تعيها جيدًا وتطبقها في كل برامج المسئولية المجتمعية الخاصة بها وخصوصًا برامج الموظفين المتطوعين. إذ لم يكن الهدف أبدًا أن يتطوع الموظفون وحسب! وإنما الهدف هو أن يتطوع الموظفون في المجال المناسب لهم ولقدراتهم، أن يتطوع الموظفون حيثُ يمكنهم أن يحدثوا تغييرًا حقيقيًا، حيثُ يمكنهم أن يقدموا حلولًا تدوم لأطولِ مدى.
قد يكون هذا هو الطريق الأصعب الذي يمكن لشركة أن تتخذه كخطة لبرنامج الموظفين المتطوعين ولكنه أيضًا الأكثر فعالية وتأثيرًا على كلٍ من مجال العمل داخل الشركة والمتطوعين أنفسهم، وكذلك المجتمعات.

وعندما قمنا ببناء برنامج “الموظف المتطوع” لدينا في مايكروسوفت مصر ، وضعنا رؤية “جايتس” هذه نصب أعيننا بهدف تحقيق الإستثمار الأمثل لمهارات موظفينا وخبرات الشركة لتقديم حلولًا مبتكرة وإبداعية تعالج المشكلات التي تؤرق المجتمع وتقدم له إحتياجاته الضرورية. على سبيل المثال، ما قدمهُ موظفونا كفريق من عمل إستثنائي عندما قاموا بتطوير تطبيق يعتمد على تكنولوجيا الـ cloud computing لمساعدة الوافدين من ليبيا والذي كانت المنظمة العالمية للهجرة في حاجة ماسّة له. مثال آخر لما أثمرت عنه الجهود التطوعية المُثابرة لموظفينا وهو دليل “Seti” الإليكتروني المُتاح على شبكة الإنترنت والذي يخدم أصحاب الإعاقات في الوصول إلى الخدمات التي يحتاجونها وكان من نتائجه الإيجابية زيادة عدد المستفيدين من خدمات مؤسسة “Seti Caritas” . المزيد من المعلومات:
www.dalilseti.com

كما قام موظفونا بالمشاركة في العديد من برامج تنمية مهارات الشباب ليصل تأثيرهم إلى أكثر من 4000 شاب في العام 2012.

نؤمن في مايكروسوفت إيمانًا لا يخالطه شك، أن الشغف والإبداع الذي يمتلكه موظفونا يظهر جليًا عندما يكونوا على يقين أن ما يقدمونه من عمل تطوعي يحقق فارقًا حقيقيًا وجزء كبير من هذا اليقين يأتي من خلال مساعدتهم للآخرين.

* طبقًا للتقرير الذي نشره المؤتمر القومي للمواطنة بتاريخ 16/9/2011 ، حيثُ أشار إلى أن الولايات ذات المستوى الأعلى من المشاركة المدنية تصبح أقل عرضه للتأثر السلبي بحالات الإنكماش الإقتصادي.

Comments (0)

Skip to main content